معجزة الشك

2020-01-12 11:17:10

– العقل العربي الآن مطالب أكثر من أي عصر مضى بالتعامل مع «الشك» كـ«شرّ» لابد منه!!..
– الشك بمعناه الإبداعي هو الفيروس الساكن أبداً في جسم التسليم والاستسلام لما آمن به العقل في الماضي، وكان نبراساً لأي عمل فكري، فني، قام به، وصار بحكم المنجز!!..
– الشك بمعناه العام غير محمود السيرة، وكم من الصفات اللعينة تلصق بمن سيطر فيروسه على حركية تصرفات حامله من البشر، فهو نقيض الإيمان، الإخلاص، وهذا كافٍ لتجنيسه ضمن محور الشر البغيض، المحور الذي لم تبخل الإنسانية يوماً بالكفاح لإبعاده عن خط سيرها الحالم بالوصول إلى ثقة متبادلة فيما بينها لأجل الاستقرار بمعنى السلام، فكيف نطالب العقل بالتكافل مع «الشك» وهو من وقع على عاتقه- تاريخياً- حمل الذات الناطقة لذاك الحلم الجميل!!..
– أجمعت البشرية في مراحل تطورها على مسلمات نظرية أساسية لا تقبل الشك بسمو مقصدها، لا بل إن تلك المسلمات هي بمكان القداسة عند جميع الأفراد، المجتمعات، الأمم المتضامنة والمتحاربة على حدٍ سواء، فعلى سبيل المثال لا يوجد بين بني البشر شخص يمتشق سلاحه الفكري، أو الفولاذي ليدافع صراحة عن(الباطل، الشر، القبح، السلب، الاغتصاب..إلخ من تلك الاشارات اللغوية المستهجن تبنيها من أي شخص) فالجميع على قناعة تامة بأنهم يقفون على الجبهات الساخنة والباردة لأجل انتصار الحق والجمال، وانطلاقاً من هذه الرؤية المتشظية في إبهامها، وخاصة في عصر سرعة انتشار «الاعلام الأصفر المتأمرك» ومحاولة سيطرته على أقلام منتجي الفكر والفن، وعلى عقول العامة أيضاً، يأتي دور الإبداع لكشف المستور المختبئ خلف تلك المفردات الدعائية المعتمدة بالمطلق على قدسيتها التاريخية، وهذا الدور منوط بالشك -لكونه العنصر الأهم في تجديد العملية الإبداعية، والإيعاز بشكل دائم لقدرة العقل على الغوص بتفاصيل المنجز المادي والروحي السابق، والمنجز الإعلامي الحاضر، ومن ثم إعادة إنتاجه كنص تخيلي جديد، وقادر على جعل تلك المفردات ضمن موقع الاتهام الدائم، والانتصار في الوقت ذاته لقيمها الجمالية الحقيقية، وهذا لن يكون ممكناً إلّا في حال تحالف المبدع مع الشك كشرّ سوف يأخذ من راحته الكثير، وقد يقوده- في عصر العولمة- إلى ما حلّ سابقاً بديك الجن الحمصي، و«أبو العلاء المعري»، والمتنبي، ومحي الدين بن عربي، والحلاج، لكنه في الوقت ذاته سوف يحقق للمستقبل إنسانية قادرة على ابتكار خطوات ثابتة لمسيرة الحق والجمال والسلام!!..

فاتح كلثوم

#شارك