الهروب بانتظار التعليمات!

2019-11-28 09:00:40

أُفق عملية جنيف الجارية هل أَغلقها الوفد المُرتهن للخارج بهروبه أم بانكشافه؟ وإذا كان لا يَمتلك قُدرة التعبير عن موقف إزاء الأولويات الوطنية - السيادة والاستقلال ومكافحة الإرهاب - فما شكل الحوار الذي أتى من أجله؟ وما المسائل التي يريد طرحها إذاً وقد بدا مُتسلحاً بلاءات ترفض محاربة الإرهاب، ترفض الحديث عن وجوب تجفيف منابعه، وترفض الإشارة بالإدانة للدول والكيانات الداعمة له؟!.
الهروب من جلسات لجنة مناقشة الدستور، ورفض الثوابت الوطنية التي لا يَجوز إلا التمسك بها، قد يكون العنوان الحقيقي الذي يُعرِّف بهؤلاء، وبلا شرح مُطول يُبرز أن ردم الهوّة معهم يُلامس المستحيل، ويُوضح أن القصة ليست قصة خلافات على موضوع أو مسألة، ولا على أولويات أو برامج عمل، وإنما هي شيء آخر تماماً لن يكون لها أيّ محل من الإعراب في القاموس الوطني السوري.
إذا شكّل الهروب من جلسات الحوار سبيلاً عند أول طرح لما يُصنف وطنياً تحت باب المُسلّمات التي غالباً ما تُوضع بمقدمة الدستور - لا تحتاج لنقاش بل هي فوق أي نقاش - فما السبيل الذي سيَسلكه المُرتهنون للخارج غداً عندما تبدأ مناقشة ما ينطوي من مسائل على إشكالات حقيقية تحتاج الجرأة والشجاعة بمُقاربتها، والشفافية والصراحة للإحاطة بها، والإرادة والجدية للانتهاء بها إلى صيغة توافقية تَحفظ من جهة ولا تُفرط من جهة أخرى؟.
بالاستنتاج الواقعي والموضوعي المُستند إلى مؤشرات الشذوذ بمَسلكية أولئك، ربما ستصل الأغلبية الغالبة من السوريين إلى نتيجة واحدة لا ثاني لها تقول بفصاحة كل لغات العالم: هؤلاء لم تأت بهم إلى جنيف سوى غاية تَمرير أجندات الخارج، أو على الأقل جاؤوا تلبية لرغبات الخارج المُعادي إما تعطيلاً لعملية جنيف أو تفجيراً مُتعمداً لها، ليس هناك أي احتمالات أخرى.
على الرغم من أن التوصل لمثل هذه النتيجة يزداد رسوخاً، إلا أن الوفد الوطني السوري لم يَستعجلها، بمُقابل إظهاره مَقادير من الحكمة قد لا يَمتلكها حتى الحكماء المُعترف لهم بها، وبمُقابل التحلي بصبر قد لا يَتحلى به إلا العقلاء الراجحة وطنيتهم والمَملوءة عقولهم وقلوبهم اتزاناً وإيماناً، وبمُقابل ممارسة أقصى درجات ضبط النفس المَشفوعة بإرادة قوية قد تُبدي المرونة انطلاقاً من بوابة الحرص، لكنها لن تَقبل التنازل عن الثوابت بحال من الأحوال.
نُدرك، ويدرك الكثيرون معنا أن المُرتهنين - هؤلاء - لا يَملكون من أمرهم شيئاً، وأنّ الحوار معهم ربما هو مَضيعة للوقت، سيكون بلا جدوى ولا نتيجة، وهذا صحيح ودقيق، غير أن ما يَنبغي أن تفهمه الجهات الراعية والمُشغلة لهم بنهاية مطاف جنيف - بجولتها الحالية المُعطلة حتى الآن أو بالجولات القادمة إذا عُقدت - هو أن ما لم تُحققه بالحديد والإرهاب والنار لن يَتحقق لها شيء منه بالسياسة والنفاق أو بمُحاولة الاستخدام المُخادع لعناوين الحوار.
إذا كانت التعليمات الأولية تَفرض على وفد المُرتهنين إلى جنيف الكشف عن هذا المُستوى من الانحطاط، بانتظار صدور التعليمات الجديدة التي قد تَفتح على تناقضات أخرى، فإن مَجالاً واحداً لن يُفتح لتدخل خارجي في النصوص والوثائق الدستورية، وإنّ مكاناً مهما تَصاغر لن يُحجز للعملاء والخونة، ولا لدُعاة الفَدرلة والانفصال .. إنه القرار الوطني السوري القَطعي.
علي نصر الله

#شارك