عمر الفرا ,,,, شاعر مقاوم التزم بقضايا الوطن والإنســـــان

2015-08-05 13:06:04
أديب وعلم من أعلام الأدب العربي يكتب الشعر الشعبي الذي يلامس فيه المشاعر بكل صدق وإحساس مفعم بالتنوع متكئاً على مخزونه الصحراوي الثري، إضافة لكتابته القصائد بالفصحى، وامتلك نزوعاً إنسانياً تفرعت عنه الروح الوطنية العالية ومحبة الإنسان والتعبير عن قضاياه إضافة إلى تمسكه بمبدأ المقاومة والدفاع عن الأرض.

طارت شهرته عبر العالم العربي من خلال شعره الواقعي الشفاف الذي يحمل الصدق والحب وتستسيغه معظم الشرائح الاجتماعية، فقصائده تتنوع في العديد من المواضيع والأحداث والمناسبات والقصص الاجتماعية التي يعبر فيها أجمل تعبير، واشتهر بقصيدة «حمدة» بسبب المأساة العاطفية التي ترويها وجزالة اللغة التي تحتويها، حيث تتكلم عن فتاة بدوية انتحرت بعدما أجبرت على الزواج من ابن عمها، وأصبحت قصيدة «حمدة» رمز للشاعر عمر الفرا.

هو ابن البادية السورية، فيها ولد ومنها خرج شاعراً عربياً أصيلاً تفوح من قصائده رائحة القهوة العربية الأصيلة، وتجد في دواوينه شموخ الفارس العربي وأصالة الإنسان المقاوم، أدرك قيمة الكلمة، وعرف قدرتها على صنع المعجزات فكان مقاوماً في شعره، يلهب مشاعر الحضور في الأماسي الثقافية والأدبية، ويشحذ همم الجنود في معارك المواجهة، وعن شعره قال الرئيس الراحل حافظ الأسد: «إن شعر عمر الفرّا يعادل فرقة دبابات».

الطفولة والنشأة


يقول الشاعر عمر الفرا عن نفسه في لقاء مع جريدة الفرات بتاريخ 5 تموز 2011: «أنا عمر الفرا من مدينة حمص السورية، ولدت في بادية حمص تدمر عام 1949، ونشأت فيها حتى سن العاشرة من عمري، ثم انتقلنا إلى المدينة، لكنني كنت أدرس في البادية وعلمت في مدرسة قرية (بيارات النور) وقد استفدت كثيراً من تلك التجربة، وكانت علاقتي وثيقة جداً بالبادية».‏

عمل بالتدريس في مدينة حمص لمدة 17 عاماً ثم تفرغ للأعمال الشعرية والأدبية وكانت معظم قصائده بالعامية البدوية بلهجة بسيطة تتلاءم مع كل البيئات الشعبية إضافة إلى قصائده بالفصحى التي تنوعت وشملت القضايا الاجتماعية والأحداث التاريخية والأساطير.

بدايته الشعرية


يقول عمر الفرا عن بدايته الشعرية: «كتبت الشعر أول مرة عندما كان عمري 14 عاماً، وقد كنت مدمناً على القراءة خاصة في أيام العطل المدرسية حيث كنت أتردد على المركز الثقافي في حمص لاستعير الكتب لأني لم أكن امتلك المال لأشتريها، وكنت اقرأ كل ما تقع عليه يدي من قصص وروايات ودواوين الشعر والفلسفة وكتب التاريخ والأدب، وقرأت وحفظت الكثير من آيات القرآن الكريم، وتخزنت تلك المعلومات والثقافات التي اكتسبتها من قراءاتي وحضوري الأمسيات الشعرية في المركز الثقافي، وكنت أحس أنني استطيع أن أكتب مثل هذا الكلام، وفي سن الرابعة عشر كتبت أول قصيدة وكانت لحبيبتي

القصيدة الحديثة


كتب القصيدة الحديثة في المرحلة الثانوية وتحديداً في سن السابعة عشرة من عمره نتيجة تأثره الكبير بالشاعر بدر شاكر السياب حيث كان مقرراً دراسة شعره، وعن ذلك يقول: «لم يكن معظم الطلاب يحبون شعر السياب حتى أن أحد زملائي كتب لمدرس اللغة العربية آنذاك واسمه عبد الكافي البواب، ( لن أحفظ شعر السياب يا عبد الكافي البواب)، وعلى عكس جميع زملائي عشقت شعر السياب وتأثرت بأسلوبه، وأحسست بالجرح الذي يكمن في هذا الشعر، وكتبت القصيدة الحديثة الأولى في تلك الفترة

وفي إحدى لقائته الصحفية يُسأل عمر الفرا عن وجود مذهب جديد أو مدرسة حديثة في الشعر الشعبي النبطي تدعو إلى القصيدة الحرة وفك قيود الشعر النبطي من الشكل العمودي الكلاسيكي على غرار ما حدث في الشعر الفصيح؟، وهو ما أكده الشاعر الفرا, مبيناً أنه يكتب هذا اللون من الشعر بحيث «لا ألتزم بقافية واحدة لا في الصدر ولا في العجز وأتنقل بين قواف عديدة على طريقة الشعر الحديث, وأؤكد أن هذا النوع من الشعر لا يلقى أي مشكلة بل إن الناس تحبه وتتفاعل معه وتحفظه»، وشدد أن هذا المذهب الشعري سيعيش كما قال عمر المختار أكثر من قاتله.

أثر البادية على شعر عمر الفرا


كتب القصيدة البدوية في سن الرابعة والعشرين، حين كان يؤدي الخدمة الإلزامية على الجبهة السورية في منطقة نبع الصخر، فكتب قصيدته البدوية الأولى بعنوان «البندقية»، وفيها يقول:
مضن شهرين ولا طارش.. ولا كلمة..‏
ولا مكتوب يوصلني مع النسمة...‏
واقلو يا دليلي توب.. يقلي ويرسم البسمة‏
أذوب بذكر طاريهم.. وعذابي بحبهم نعمة...
ويقول الفرا بأن هذه القصيدة فعلت فعلها في ذاك الوقت، «فقد غازلت فيها بندقيتي السمراء الطويلة التي تشبه حبيبتي الغائبة عني منذ أشهر، وكانت هذه القصيدة انطلاقتي الحقيقية لكتابة الشعر البدوي، وجاءت بعدها قصيدة (حمدة)، و(الثأر)، وغيرها من القصائد التي تردد صداها بين الناس فأحبوها، وإقبالي الشديد على كتابة الشعر البدوي في تلك الفترة أخرني عن كتابة القصيدة الحديثة التي عدت إليها وصرت أكتبها بالتوازي مع القصيدة البدوية لأخلق نوعاً من التوازن في نتاجي الشعري، وصدر لي حتى الآن ستة دواوين منها أثنين فصحى وأربعة شعبية، وقد كان للبادية الأثر الكبير في نتاجي الشعري».‏

شاعر الوطن والمقاومة


كتب عمر الفرا للمقاومة وأطلق عليك لقب شاعر المقاومة، وعن ذلك يؤكد أن كافة شعره يحوي مقاومة ومنها قصيدة «حمدة» التي تعدُّ مقاومة للعادات والتقاليد البالية

كما كتب للمقاومة اللبنانية التي عشقها «لأنها حققت لي شيئاً لم أكن أحلم بتحقيقه، فنحن مهزومون منذ زمن بعيد، وأنا مهزوم منذ ولادتي في أربعينيات القرن الماضي، مهزوم عسكرياً واقتصادياً فحققوا لي هذا الانتصار، وهم أناس من وطني، وهم أخوتي يتكلمون لغتي، وحطموا كيان العدو، وأحبوا هذا الشعر ودعوني لإحياء الكثير من الأمسيات في لبنان، وقد كان لي شرف اللقاء بالسيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله، بعد انتصار المقاومة عام 2006، وقال لي حينها كلمات لن أنساها ما حييت، وهي: «لقد كنت شريكنا في الحرب والانتصار»، وأنا أتقدم بالشكر له لأنه حقق لنا ما كنا نتمناه.‏

وأما الوطن فهو بالنسبة لعمر الفرا كل شيء، وعنه قال الكثير فهو «حياتنا التي نحياها بعزة وكرامة»،

أسلوبه الشعري


امتاز عمر الفرا بقدرة استثنائية على السبك وابتكار الصورة، والشجن البدوي المقيم في الضلوع، والمخزون التراثي العميق للشعر العربي في شقيه الفصيح والبدوي. كل هذه العناصر محمولة على طريقة خاصة في الإلقاء، أسهمت عملياً في إيصال ما يريده هذا الشاعر الذي صار ظاهرة شعرية، بصرف النظر عن أهمية تجربته في سياق العامية السورية التي وضعت هذا النمط الشعري خارج اهتماماتها طويلاً، إلى أن خلخل الفرّا هذه المعادلة، لافتاً إلى حضور الثقافة البدوية كجزء من النسيج الثقافي السوري المهمل: «أقْنُص معي... يا ذيب/ جُوعك مثل جوعي/ يا نفترس هالليل يا يطحنو ضلوعي/ حلو الصَّبُر يا ذيب.... حِيْن الدهر يرْحَمْ/ وعيب الصَّبُر يا ذيب لما العتم يلْتَمْ».

لقد عبر الفرا من خلال أشعاره حدود البلاد إلى مختلف أنحاء العالم العربي، محمولاً على مواقفه الوطنية الملتهبة، إذ واكب بوجدانه المشبع بالحماسة أبرز المنعطفات التي واجهت المنطقة، وفي مقدمتها الانتفاضة الفلسطينية، حين أهدى الطفل محمد الدرّة إحدى قصائده، مروراً بالمقاومة اللبنانية، وانتهاءً بالأوضاع التي تعيشها سورية اليوم.
وللشاعر الراحل العديد من المؤلفات منها ديوان: «قصة حمدة»، و«الأرض إلنا»، «حديث الهيل» و«كل ليلة»، «الغريب»، و«رجال الله»، ومن أشهر قصائده: «حديث الهيل»، عرار «الياسمينة»، عرس الجنوب، قصيدة وطن وغيرها الكثير.

وفاته


غيّب الموت الشاعر الكبير عمر الفرا عن عمر ناهز 66 عاماً، إثر نوبة قلبية ألمّت به بتاريخ 21 حزيران 2015 وذلك في منزله الكائن بدمشق، تاركا خلفه إرثا كبيرا من الاشعار والقصص والدواوين والأحداث الاجتماعية.
شيع جثمانه من مشفى دمشق «المجتهد» حيث صلي على جثمانه الطاهر في جامع بدر الدين الحسني ووارى الثرى في مقبرة باب الصغير.

#شارك