حكاية من التراث المعاصر

2020-01-12 11:15:16

كان يا ما كان في حديث الأوان ومُضارع الأزمان، جاران عاشا ردحاً طويلاً من الزمان بجانب بعضهما، الأوَّل هو الصِّدق الصافي والثاني هو الكذب الفتَّان، وفي يوم من أيام كانون الثاني، حيث البرد «يقص المسمار»، ومن شدَّة الظُّلمة لا تُميِّز بين الليل والنَّهار، قال الكذب للصدق: «سمعت أن الغد ستكون حرارته حول معدلاتها، فما رأيك أن نتمشَّى معاً تحت أشعة الشَّمس وخصلاتها»، وفعلاً كان الطقس دافئاً معتدلاً، فتمشيا قليلاً، وفي الطريق لمح الكذب بائع موز من بعيد، فقال لجاره وهو سعيد: «يبدو أن سعر الموز انخفض، البارحة كان بألف ليرة والآن الكيلو بـ750 فقط»، وكان الكذب صادقاً أيضاً هذه المرة، وبعد ذلك أخبر جاره بأنه توقَّف عن شراء الدخان، لأن أردأ نوع سعر العلبة الواحدة منه 500 ليرة، لذلك انتقل إلى «اللَّفّ» فهو «أوفر وأنظف» و«يبعد عنك الحيرة»، ناصحاً الصدق بأن يحذو حذوه. استغرب الأخير كيف أن الكذب لم يكذب في ذاك اليوم، وأنه انقلب على طباعه مخالِفاً اللزوم، وبعد قليل مرَّ الجاران بمركز لبيع الغاز، فبدأ الكذب يندب حظَّه وأنه لم يحظَ البارحة بـ«جرَّة»، رغم أنه عَلِمَ بوقت التوزيع هذه المرة، وعندما سألا البائع عن موعد التوزيع القادم، ردَّ عليهما بأنه لا أحد يعلم سوى القدير العالِم، وما إن أنهى الجاران جدلهما حول مكامن الطّاقة، حتى رأى الكذب بُحيرةً شكَّلتها مياه الأمطار وعليها أشعة الشمس «رقراقة»، فوضع يده فيها قائلاً: «إنها دافئة.. ما رأيك بقليل من السباحة؟»، لم يصدِّق الصدق بدايةً، لكنه تأكد من دفء المياه، وخجل من نفسه «الجارحة»، ولذلك قرر السباحة، وفي غمرة انهماكه باللعب، قام الكذب بالخروج من البحيرة، وسرقة ملابس الثاني، ومن حينها يمشي الأول مختالاً بملابس الصدق، بينما الأخير يخجل من عريه، ومن صدمة الناس برؤياه على غير سَعيِه.

بديع صنيج

#شارك